الأسطورة وثورة الشعب السوري Myth and the Syrian Revolution

Forgive us by Alisar Iram

Forgive us by Alisar Iram

See also the English version: https://alisariram.wordpress.com/myth-and-the-syrian-revolution-a-tribute-to-the-syrian-people/

كنت دائما مهتمة بالأسطورة و ذلك لأنني أرى فيها انعكاسا للحياة كما أرى في الحياة انعكاسا للاسطورة. وكان أول كتاب نشرلي  يدور  حول الأساطير و القصص الخرافية. الأسطورة هي نوع خارق او امثولي من القصص التي تعرض بشكل خلاق اجتهادات مخيلة الإنسان وتجاربه ومحاولاته لكي يجد تفسيرا وتبريرا لما يستعصي على الفهم، وهي بهذا تحمل الينا والى حاضرنا  من ماض مدفون سحيق، على أجنحة الحكايات الخالدة، المحن والتجارب المغرقة في القدم ممثلة  بالصراعات البطولية والمعاناة الماساوية للانسان والانسانية .  إن الآلهة  انما هي الالهي في الإنسان أو كل القوى الكونية الساحقة ضده .وفي هذا السياق تبرز قصتان من قصصي المفضلة: قصة بروميثيوس رسول وحامل الجذوة والنور و العقل وقصة سيزيف حامل الصخرة، سيزيف الرجل الفطن الذي تحايل على الموت ظانا أنه أذكى من زيوس رب الارباب ، وتمرد على الالهة رافضا مصيره، و لكن زيوس لاحقه وفرض عليه عقابا  ان يحمل صخرة ضخمة  كل صباح و يتسلق جبلا إلى قمته  لكي تنزلق هذه الصخرة بحركة تكرارية إلى السفح ولكن لكي يعودسيزيف فيحملها من جديد على ظهره و لتنزلق من فوقه تكرارا و مرارا بحركة أبدية لا تنتهي. 

عندما دخلت ثورة الشعب السوري في مرحلتها الأخطر، مرحلة الدفاع عن الوجود والصراع من اجل البقاء على قيد الحياة ، بدأ بروميثيوس يستولي على مخيلتي ليتبعه سيزيف.  ولكن سرعان ما امتزج الاثنان لينصهرا معا بعد حين ويلتحما بالثورة السورية. لقد بعثا مشاعرالحب و المأساة في وعيي وبدات احس بمدى أهمية مغزى قصتهما في سياق تجارب السوريين المروعة وصراعهم الدامي. لقد وجدت نفسي أستدعيهما لأن صراع الشعب السوري ولّد بطولات صامتة غير معترف بها خاضتها روح الانسان السوري تتميزبالقدرة على تحمل أعباء جسدية مستحيلة و مواجهة المعاناة الفائقة و التعذيب و الجوع و الموت. وهذه مجتمعة تُكّوّن المادة  التي تُنسج منها الاسطورة . أنا لست أبالغ ، لأن الاستمرار والبقاء رغم كل المخاطر هما بطولة بحد ذاتهما،باستثناء ان الآلهة لا تسيطر هذه المرة على خشبة المسرح، بل النساء والاطفل والكبار وشباب سوري يندثر تباعا. 

ان ما أتكلم عنه هنا هو هذه البطولة البسيطة البريئة لهؤلاء الذين عاشوا دائما بتواضع و فضلوا أن بيقوا مجهولين لأنهم يفتقرون إلى التعقيدات والتحذلق و لأنهم يعيشون حياة محدودة وضيقة، لا فرص لهم فيها تقريبا ولا طموحات ولا موارد كافية أوتطلعات. ومن اقصدهم أيضا هم رجال ونساء مثقفون مخضرمون أو شباب، ذوو الخبرات او الأقل خبرة بسبب قلة اعوامهم، هؤلاء الذين اتبعوا قوانين الأخلاق الوجدانية و اختاروا حياة النفي داخل بلدهم لكي يبقوا مع الجموع، سواء المدنيين أو المسلحين، التي تحتاجهم  لكي يغيثوا وينجدوا وينظموا ويعلموا او يوثّقوا ويسجلوا. اختاروا النفي بعيدا عن بيوتهم و أولادهم و أهلهم ليعيشوا في الاطراف البعيدة حياة المعدمين و المحرومين. ونجد من بينهم ايضا بعض مقاتلي المقاومة الشرفاء الذين اضطروا للخروج إلى الكفاح المسلح من أجل الدفاع عن بيوتهم و عائلاتهم. 

الفقراء يحلمون أيضا

كل هؤلاءكان يجمعهم حلم، بما فيهم من لا يُقترنون عادة بالأحلام، أي الفقراء. المحرومون و المغيّبون والذين يعانون من الفاقة والافقارالثقافي و الكادحون يستطيعون أن يحلموا ايضا, اليس كذلك ؟ أم هل سيُحرمون أيضا من الأحلام؟ لقد كان للشعب السوري حلم، او بالاحرى لقد نسج الشعب السوري حلما. لذلك سأرفع صوتي بوجه كل المتشككين و الساخرين وعد يمي الثقة ، بوجه المشاركة الشحيحة لدول العالم،  بوجه التحالفات الإقليمية و العالمية، لأقول لهم بأن السوريين كان لهم حلم و ما زال لديهم هذا الحلم. بل سامضي الى ابعد من ذلك لأقول بأن هذا الحلم كان نبيلا ومايزال نبيلا على الرغم من كل الجهود و القوى التي تبذل من أجل تغيير وجهته والقضاء عليه. الحلم ما هو الافكرة ، وما هو الا أمل. ما هو إلا توق الروح  وتزهّر اللاوعي.  صحيح أنه واه وليس الا رؤيا ،و لكنه الصرخة التي  تنبعث من الجينات المزروعة في خلايا الإنسان و التي تتنتقل عابرة الاجيال. الحلم ماهو الا رغبة الوجود لكي يكون أكثر من مجرد وجود. الحلم  يرفده الحنين وتغذيه التطلعات الهائلة للحرية و التحرر،واللتي تصوغها وتلحنها الحياة و الرغبة في العيش بكرامة. 

 هل الحلم بالحرية  خطأ وشرّ؟ وهل نشيد الحرية محصور  بالبلاد الارقى، او التي تمثل القوى العظمى ؟ هل يوجد في هذا العالم سلالات أو ديانات أوأعراق أو طوائف أو جغرافيات أحق بالحرية من غيرها؟  هل الاستعباد باسم القوة سواءً اكان مدنيا أو سياسيا أو دنيويا اواستبداديا أو دينيا هو فقط من نصيب  الاكثرية من بني الإنسان؟ هل يجب أن يكون النورملكا للقلة، الجزء، أم هو حق للعالم اجمعين؟ 

بروميثيوس ، ثائر ذو قضية

سرق بروميثيوس الحالمالشعلة من الآلهة ليجعلها  حقا بكوريا للاإنسانية. أعطى  بروميثيوس العقل للبشرية التي كانت محرومة منه و هي تزحف تائهة على وجه الأرض، غارقة في عتمة الجهل وغياب الوعي.  ولكن لما دب الوعي في البشر نهضوا ورفعوا رؤوسهم ليروا عالما لم يكونوا شاعرين بوجوده من قبل.  وهنالابد من القول بان المعجزة الكامنة في سرقة النار من الالهة هي ان بروميثيوس اعطى مع النار والنور للبشرية الاستنارة وعرفان النفس و الوعي بالذات ، مبشرا بولادة العقل.  لقداعتقد بروميثيوس وهوعملاق من عمالقة سلالة الآلهة الأوائل بأن الإنسان له الحق بالنورتماما مثل الالهة واتخذ قرارا بمنح البشرية العقل و العلم. ثم علمهم ايضا الحرف و منحهم الفنون. هذا العمل الذي يمثل الشجاعة القصوى، والذي يرمز شعائريا الى منح ونقل المعرفةالمحرّمة إلى الانسان، جلب عليه غضب الآلهة و العقاب الأبدي. لقد ثار بروميثيوس عطفا على الجنس البشري الذي خلقته الآلهة على صورتها و منحته الحياة ثم تركته ليزحف على وجه الأرض في جهل مدقع وفي الظلمة الدامسة. بروميثيوس، عملاق من عمالقة سلالة الآلهة الأوائل، فكر بأن الإنسان له الحق أيضا بالنور مثل الألهة و قرر أن يمدهم بالعقل و العلم. و أيضا علمهم كيفية صنع الأشياء و منحهم الفنون. هذا العمل الأسمى الشجاع الذي تمثل شعائريا بنقل العلم المحرم إلى الانسان جلب عليه غضب الآلهة و العقاب الأبدي. ويمكن القول انه كان ضروريا بل جوهريا ان تقوم ثورة على النظام السائد لكي  يتم اعطاء الحق الخاص بالقلّة للعامة وادخال مفهوم العدالة الى عالم يحكمه قانون السيطرة. 

بروميثيوس اصبح جزءا من عقلنا الباطني الجمعي وذاكرتنا التراكمية ولو لم نعرفه بالاسم. أنا اعتقد  بأن بروميثيوس هو أحد أعظم ثوار الإنسانية اذ مد جسرا بين ثوار الأرض و ثوار السموات. لوسيفر (الشيطان) ثار ايضا، و لكن  لدوافع أنانية، بينما كانت ثورة بروميثيوس نقية و نبيلة. لاشك إن مما له اهمية ومغزى أن البشرية قدنسجت  قصصا و أساطير في ماضيها السحيق لكل ما هو فريد و نبيل و بطولي، لكل ما هوربّاني في الطبيعة البشرية و لكن ايضا لكل ما هووضيع وشرير. لقد ادرك الجنس البشري بحدسه ان القيم العليا و الأخلاق وكذلك الغرائز الادنى لا بد ان تخلد في قصص أو خرافات  تتناقلها الأجيال من أجل ان تصبح اداة للمعرفة.ومن الواضح أنه عندما يعجز عن  الإنسان عن التعبير عن نفسه بالطرق المتوفرة يلجأ الى الأسطورة لانه في الاسطورة يتضح الغامض الغير قابل للشرح و يُفسر اللامعقول و السيريالي المأساوي بسرد حكايات يرددها الإنسان مرارا إلى أن يأتي زمن يرتقي فيه الانسان بما يؤهله ليكشف ويحل عقدة ما كان عصيا.

   نحن  نمعن النظر في طبيعة المتمرد و التمرد لأن الثورة هي تلك المعركة التي لاتبلغ نهايتها ابدا اذ لا تكاد تهدأ حتى تبدأ الكفاح من جديد. ولهذا فانه من الواضح بأن العالم لا يستطيع ان يفهم أبدا بأن ما يحصل في سوريا هو ثورة تعود جذورها إلى مئات من السنين المنصرمة. إن تراكم الاستبداد المتوارث والموروث: السياسي و الاجتماعي و الاقتصادي و الثقافي و الديني بالإضافة إلى الاستعماري هو ما خلق ويخلق بؤر ارضية تحتية للاضطرابات والقلقلة في سوريا و العالم العربي ككل، مراكما و مجمعا بذلك الطاقة الكافية التي تؤدي الى الهيجان ثم الانفجار. وانه لمن الخطأ الفادح ان نظن بأن هذه الثورة لم تكن تختمر منذ مئات السنين. 

  إن ما  جعلني ايضا استدعي  بروميثيوس من أعماق اللا وعي  ويدفعني ان أعود مرارا إلى أسطورته لأكتشف ما كتب عنه هو امثولة بعض اصدقاء اختاروا، اسوة ببروميثيوس، أن يضيئوا شعلته من أجل المفقّرين ثقافيا، راسمين بذلك مكانا لانفسهم بين الفقراء و المحرومين و المهمشين. إن البروميثيسييين السوريين الثوريين هم الذين من أعاد  بروميثيوس الأسطورة إلى ذهني. ثم ظهر أبطال آخرون لم يحكي عنهم أحد او يمجدهم احد ولما عرفنا بوجودهم احسسنا بهم يتحركون و يعملون بين المفجوعين، محاولين خدمة الجرحى و المحتضرين والتائهين، يساعدون و يسعفون و يسندون، ومنهم الأطباء و الممرضات وشباب وعاملو الإغاثة و ناشطون مدنيون و مدافعون عن حقوق الإنسان. أمهات و نساء ورجال وكهول ورجال و شباب وحتى الاطفال، يعرضون  أنفسهم لخطر القذائف و القنابل والصواريخ و البراميل المتفجرة بدون توقف او تردد

Prometheus

Prometheus 

نحن بحاجة إلى شعلة بروميثيوس لتبديد الظلام

لعل الروح عندما تشتد الظلمة وتصبح ليلا شاملا مهيمنا، تشرع بنشدان المستحيل، بل تسعى الى ان تغزل من ذاتها البروميثيوسية رؤى للمستقبل، لأن الحياة أقوى من الموت. ولهذا نرى انه بينما تُجر سوريا إلى الهاوية وتتضافر عليها قوى الطمع المتلاحمة، والطموحات الجيوسياسية ، والطغيان وعالم محيّد أخلاقيا، جاذبة اياها كالمغناطيس إلى الهاوية، فان هذه القوى و بطريقة غريبة مطردة تدفع السوريون ايضا  بلا هوادة وتجرهم  إلى مركز الوجود  والصراع الوجودي ضدعوامل الإبادة واندثار الحضارة. ما من شيء هومجرد شيئ واحد خالص، إذ أنه في الصراعات المأساوية للامم يصبح المسرح مكانا يمتد بين السماء و الأرض وعلى خشبته يتصارع الحاضرالمرحلي والماضي التاريخي ، السياسة والأخلاق، الخير و الشر، قوى العقل و الاستنارة وقوى الظلام واندحار العقل ، الأسطورة و الواقع، تتصارع وتخوض حربا مستميتة من اجل البقاء. فعند نقطة التلاشي والانطفاء يعم الظلام الحالك و لكن أنقى النور و أسطعه يتفجر أيضا. تحاول الروح أن تجد لنفسها ملجأ في الرب والرحمة، في الأسطورة، في الشعر وفي الفن والموسيقا و الأدب اذ يسعى الجنون و انحسار العقلانية والياس الدمر الى الاستحواذ عليها والتهامها كزبانية الجحيم. ولذلك فان الرجل تحت الأنقاض و المرأة المسجونة  في  حطام الاسمنت والفولاذ  و الطفل الهائم على وجهه في  براري الدمار  لا يملكون إلا المحبة  واالرأفة لتنجدهم، و لذلك  نرى ان  من يتم سحبهم من تحت الأنقاض بسواعد المنقذين الرحيمة، الذين كثيرا مايحفرون بأيديهم العارية  لتخليصهم،  يسارعون إلى عناق  وشد من بقي حيا من أطفالهم إلى صدورهم، رافضين إفلاتهم خوفا من أن يحل الهلع والروع والضياع مكان الطفل في الحضن اذ هم اطلقوه. 

أظن بأن الذين عاصروا الحرب العالمية الثانية قد يقهمون ما أقصده. وقد يفهمون أيضا ما اعانيه من محاولة فهم الواقع و عدم قدرتي على فك تداخل الازمنة والتمييزبينها لأن البوابات الواصلة بين الماضي و الحاضر و المستقبل قد وُلِجت واخترقت وكأن هذا البلد يعيش كل ماضيه في لحظة.  انظروا، فقد عاد المغول مدمرو الحضارت و مخربو المدن و قاتلو مئات الآلاف ليداهموننا ويفتكوا بنا ثانية.ولقد نهبت سوريا ودمر تاريخها الذي يبلغ آلا ف السنين وعاث فيها المخربون فسادا. البربرية والوحشية تخنق الأجواء وتعصف بالأرض. ماذا سيفعل الملايون من الأطفال المشردين ،المبتورون عاطفيا ونفسيا، عدا عن تشوهاتهم الجسدية؟  هؤلاء الذين أصبحوا مشردي الكون وتائهي العصر. إذا احتجت لمن يلمع حذاءك أو يقوم بالتخلص من قمامتك أو لمن ينظف شوارعك ويقوم بجمع النفيات فاذهب و ابحث عن طفل ممزق الثياب جائع مرتعش وسخ فستجده سوريا.

سيزيف

سيزيف

 

نحن بحاجة إلى ثبات سيزيف وجلده للبقاء على قيد الحياة 

في سوريا الان  يتم حسم النزاعات المسلحة والحروب العقائدية المميتة وفوضى الإيديولجيات المقدسة التي اكل الزمان عليها وشرب، يتم حسمها  بالبراميل المتفجرة و القذائف  والمذابح ،  بالأسلحة الكيماوية،  اوباطاعة عمياء  وتطبيق وحشي بال لشريعة حُرّفت وزورت لتتحول إلى نواهي واوامر بربرية  تفرض الطاعة العمياء و الرعب .ولهذا وبعد ان خبر السوريون وجربوا ما يمكن ان اصفه بالارماغيدون الاسدي الاحمر بالاضافة الى الموت الأصفر الحالشي والطاعون الاسود الداعشي، فأنا على يقين بأنهم يعرفون الآن تماما ما لا يريدونه. فالأسد هو السبيل الموثوق الى جهنم و داعش هي الطريق الملغّم الى النهاية . نعم،  يعرف السوريون الآن ما معنى تبني أو اتباع طريق العنف المفروض وان يكونوا هدفا لشرور التطرف والتعصب. سوريا  تتلاشى يدوسها من ناحية استبداد علماني مزيف      تغذيه باطنيا ميثولوجيا دينية تستند الى أحقاد بالية وذاكرة قديمة تختزن مشاعرالانتقام، ومن الناحية الاخرى يعيث فيها فسادا إسلام متطرف يقفز من قبور الترهات الدينية المنقرضة ليفرض بالقوة  الضرائب على الناس ويصادر الثروات العامة. بلى ، أناواثقة بأن السوريين يعلمون الآن ما لا يريدونه، وذلك لأنهم لا يمكن أن يتمنوا هذا الهول الفج  و هذا الإرهاب المتوحش. 

من عمق اعماق الجحيم برز دانتي ليرى النجوم تتلألأ فوقه. هل ستنظر سوريا الان من قيعان اليأس لكي تصرخ عاليا بأن الحرية والحياة والتحرر من الاستبداد الديني والدنيوي ، ونور العقل والادراك، وحقوق الإنسان ، والعدالة و الديموقراطية هي ما تريده في الحقيقة.  كل الطرق الآن مزروعة بالالغام ما عدا الطريق إلى الحرية والخلاص. ولكن لكي يتحقق ذلك يحتاج السوريون إلى من هم مثل بروميثيوس ليقودوهم ،حاملين الشعلة، والى سيزيف ليبث فيهم القدرة على تحمل المزيد وهم  يكدون تثقلهم صخور العذاب اذ يتعثرون تحت وطأة اقدارهم في  متاهات الحرمان والابادة، بينما تتتالى جموعهم كأمواج البحر وهم يلاقون المنية عبثيا و كأن الموت قد أصبح اسلوبهم في الحياة. هذا الصبر المتصلب الذي يدفعهم بلا هوادة وهذه القدرة على تحمل الاهوال التي فرضت عليهم ، هذه الأعباء التي لا تنفك تتزايد  لافظة اللاجدوى ومسطرة المزيد من اللامعقول في مواجهة معركة  البقاء ضد قوى ساحقة، هذه مجتمعة لا بد ان نحاول ان نجد لها تاويلا عقلانيا من اجل ان لا تستعصي على الفهم ، ولكن الاهم من ذلك ان نسعى الى افتداء هذه الالام  والى العثور على طريق الخلاص من اجل ان  يثق السوريون بان يوما وصباحا  آخر ينتظرانهم.  إن صقر العنف و القسوة المريعة الذي ينهش كبد بروميثيوس بوحشية كل يوم هو نفسه الذي ينهش كبد السوريين أيضا. هذا العقاب الاعتباطي الذي لا يستحقونه والذي فرض عليهم لن تقهره إلا البطولات الروحية والجسدية. علينا ان نهزم هذا الصقر الهمجي لكي يعم ويسود نور الرحمة، و يشع ضوء العقل من مشعل برويثيوس من جديد، وتسقط الاهوال عن روح السوريين، و لكي  يُفتدى المسيح ويفدي. 

الوحشية و الرحمة 

 ببساطة، لا أعلم كبف يستطيع السوريون الاستمرار يوما بعد، يجابهون كل هذه المعاناة  ويبذلون كل هذه الارااح. فالعالم اما لا يشفق عليهم أو أن شفقة هذا العالم لن تبلغ نقطة التحرك الحقيقي باستثناء بعض المحاولات الاغاثية الدولية التي تتعثر وتتفخخ بسبب التلاعب والاستغلال الذي لا رحمة فيه ،و نتيجة للمماطلات والعثرات والاخلالات المقصودة المستمرة من قبل نظام الحكم.  لقدأصبحت المدن السورية الكبيرة  أو الصغيرة منها ، ما عدا دمشق الصغرى، قفارا ورميما يحتضن  بيوت الفقراء وما تبقى من المعالم والمشآت والشواهد على الحضارات القديمة التي تطلبت دهورا وقرونا من العمل المضني والمساعي الحثيثة والابداع والفن و تراكم الجهود المبذولة  لترويض البيئة ولخلق مراكز حضرية مستدامة . لقد اختفت من سوريا الى الأبد طرق للحياة وتقاليد ثقافية قديمة وصناعات وحرف وموروثات ثقافية  اذ اطعمت لنيران القنابل والقصف والتدمير الأهوج. فبعض المدن و البلدات قد فقدت من  20 إلى 50% من كتلتها بما فيها حمص و حلب، أكبر و أعظم المدن السورية. 

أرواح السوريين قد اسكرها الألم اذ يرشفون كؤوس العذاب حتى الثمالة: نساء و أطفال وسجناء تحت التعذيب ومختَطفون و مسنون و نازحون. لا أعلم ماذا يجعلهم يستمرون و من أين يأتون بالصبر ليتحملوا ما يقضيعلى الصبر ويبدده ويمزق الشجاعة ويمحوها ،وما يفتت العزيمة و الإيمان و الأمل والعقل نفسه ليستيقظوا كل صباح ويجروا  أنفسهم فوق دروب الأشواك والالام، شاهدين  على كل ما يجري، حاملين أولادهم المعفرين بالتراب وهم ينزفون، يجتازون الصحراء القاسية لينتهوا الى البحر  ويركبون القوارب المعطوبة لتقودهم الي قبور بحرية او الى بر سلام سرابي، او يموتون عطشا و جوعا ببطء، ببطء منهك قتال في بلداتهم و قراهم المحاصرة. أنا ما زلت أتكلم عن الملايين المجهولين الذين لا اسم لهم ولا يذكرهم احد ،معظمهم من النساء و الأطفال والمدنيين المسالمين. هل هم يختلفون عن بقية الأمم و الشعوب؟ هل هم مجبولون من  نوع خاص من الفولاذ يستعصي على كوكبنا؟ هل هم مصنوعون من صخور لا تستطيع أن تذيبها النيران او تغرقها الدماء؟ ما الذي يعطيهم هذه القوة العجيبة الخارقة التي تجعلهم يقعون ليقوموا، ثم يقعون ليقوموا من جديد يوما بعد يوم؟  من هم  وماهي ماهيتهم حتى يستطيعون تحدي الموت والتحديق به بملء العين  وكأنهم يقولون له: قف جانبا، لن تكون لك السيطرة هنا و لن تسود علينا. 

هناك أحاديث كثيرة عن الثورة على صفحات التواصل الاجتماعي المخصصة للثورة ودعوات تطالَب السوريين أن يحللوا توحشهم ويضعوه تحت المجهر ويدرسوا الشرور والفظائع الكامنة فيهم وذلك على سبيل النقد الذاتي. يقولون لنا بأننا طائفيون، بأننا شعب عنيف، وبداخل كل فرد منا يختبئ اما قاتل راقد، او آكل للحوم البشر ،او مغتصب او قوة هدامة. ليكن ! دعونال نمعن النظر في بشاعتنا ونتفحص وحشيتنا ، دعونا نُشرّح صفة الغدر و الأحقاد الكامنة فينا، دعونا نسلط الضوء على ازدرائنا لبعضنا البعض كأفراد ، كطوائف، كمعتقدات و إيديولوجيات، إلخ… . و لكن دعونا نسأل ايضا هل هذه هي قصتنا الكاملة، رواياتنا، مجموع أجزائنا؟ هل نحن حقا أناس متوحشون بشعون وغيلان و مخلوقات رهيبة الى هذا الحد؟ الا يوجد شيء اخر فينا ولنا؟  إذا لم نر إلا البشاعة و الفظاعة والوحوش سنتحول تدريجيا إلى وحوش . لقد دمّرت هذه الحرب ومزقت عقولنا  وأرواحنا تاركة لنا القليل من القوة لكي نواجه ونقهر مخلوقات الرعب وكائنات الكوابيس. بيد أن هنالك  أشخاصا و أناسا آخرين, وانا من بينهم، ينعمون برؤية مزدوجة، ولهذا فهم يرون أمورا أخرى أيضا، يرون اشياء عظيمة و نبيلة في أمتنا المحطمة هذه، في ناسنا المقهورين هؤلاء. أنا أرى افعالا عظيمة مليئة بالتضحية و أعمالا عظيمة تفعمها  البطولات… أرى بهاء النساء العاديات، بنات الشعب،وبهاء الرجال العاديين الذين يكدحون ليلا نهارا و في كل دقيقة  و كل ساعة من النهار و الليل لينقذوا و يعالجوا و يباركوا ويغيثوا و يمرّضوا بينما تُتساقط البراميل المتفجرة فوق رؤوسهم. أرى قوة عظيمة بداخلهم. أرى فيهم إنسانية كبيرة . أرى فيهم رحمة و رأفة ستثري الجنس البشري لمدة طويلة قادمة. 

 شعبنا ما زال هنا و سيبقى هنا بعد كل ما قيل وصار. و ما زال ناسنا محتشمين ومهذبين، وما يزالون قادرين على شكر االرب للنعمة ولو كانت شحيحة، للقليل او حتى للاشيء لأنهم من النوع الذي يستطيع أن يحمد ويتشكر على ما قلّ. هل تعلمون ما تتطلبه من بطولة وعزة نفس لكي يحمد الانسان خالقه ويشكر الاخرين على لا شيء تقريبا؟ لا، هذا لا اسميه الحط من القدر أو فقدان الكرامة والقيمة ، بل اسميه الرغبة التي لا تتزعزع بالحياة على الرغم من وجود القليل أو لا شيء. أحبك يا شعبي كما أنت، لقد أجبرت على التسول وفرضت عليك المجاعة ومزقوك مزقا ما بعدها مزق. أنت لست شريرا اوقبيح الروح.  أنت لست متوحشا أو عنيفا بالطبيعة. أنت ذوبهاء وشجاعة يا شعبي.

اليسار ارم

© Alisar Iram 

About alisariram

I am an artist, a writer and a researcher. I know Arabic and English . I am interested in music and art of every description. I like to describe myself as the embodiment of a harmonious marriage between two cultures which I value and treasure.
This entry was posted in Alisar Iram: art of ruins, Alisar's notes and articles, Children of Syria, Concrete rubble, Death, Destruction, Destruction of cities and habitats, Ethics, Freedom, Heroism, Human Rights, Humanity, Images, Massacres, Myth, Prometheus, Protest, Sisyphus, suffering, Syria, Syrian army, Syrian people, Syrian regime, Syrian Revolution, Tyranny, Victims, Violence and tagged , , , , , , , , , , , , , , , , , , , , , . Bookmark the permalink.

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s